عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

47

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ومنهم الكفار والمنافقون ، ومنهم العصاة الظالمون لأنفسهم . فلم يشعروا إلا وقد طرقهم داعي الملك ، فأخرجهم عن أوطانهم ، واستدعاهم إلى الملك ، فقدموا عليه قدوم الآبق على سيده الغضبان . فإذا تأملت أقسام الناس المذكورة لم تجد أشرف ولا أقرب عند الملك من العلماء الربانيين ، فهم أفضل الخلق بعد المرسلين . قوله - صلى الله عليه وسلم - : " وَإِنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ " . يعني أنّهم ورثوا ما جاء به الأنبياء من العِلْم ، فخلفوا الأنبياء في أممهم بالدعوة إلى الله وإلى طاعته ، والنهي عن معاصي الله والذب عن دينه . وفي مراسيل الحسن ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " رَحْمَةُ اللهِ عَلَى خُلَفَائِي . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَنْ خُلَفَاؤُكَ ؟ قَالَ : « الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي مِنْ بَعْدِي وَيُعَلِّمُونَهَا عِبَادَ اللَّهِ " . وقد روي نحوه من حديث ( 1 ) علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعًا أيضاً . فالعلماء في مقام الرسل بين الله وبين خلقه ، كما قال ابن المنكدر : إِنَّ العَالِمَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ ، فَلْيَنْظُرْ كَيفَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمِ . وقال ابن عيينة : أَعْظَمُ النَّاسِ مَنْزِلَةً مَنْ كَانَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ : الأَنْبِيَاءُ ، وَالعُلَمَاءُ . وقال سهل التستري : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَجَالِسِ الأَنْبِيَاءِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَجَالِسِ العُلَمَاءِ ، يَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ : يَا فُلاَنُ ، أيش تَقُولُ فِي رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ كَذَا وَكَذَا ؟ فَيَقُولُ : طُلِّقَتْ امْرَأَتُهُ ، وَيَجِيءُ آخَرُ فَيَقَولُ : مَا تَقُولُ

--> ( 1 ) أخرجه الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " ( 1 / 163 ) عن علي بنحوه . وقال الذهبي في " الميزان " ( 1 / 270 ) : هذا باطل . وذكره الديلمي في " فردوس الأخبار " ( 1 / 479 ) بلفظ : " اللهم ارحم خلفائي ، الذين يرون أحاديثي وسنتي ، ويعلمونها الناس " .